Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘اختلاقات أسطورية’

رسائل “ظل الأفعى”، من الأم إلى ابنتها، في بيان انزلاق الألوهية!

ISHTAR IN HADES From the Painting by E. Wallcousins

صباح الخير يا حبيبتي.. يا ضَنَاي! اليوم فقط، انتبهت لهذا التعبير الذي تستخدمه النساء في بلادك (أو بالأحرى:كُنَّ يستخدمنه) للإشارة إلى ذريتهنَّ. فالولد والبنت، كلاهما، عند الأم : ضنى! وليس من عادة الرجل أن تصف ذريته، بهذه اللفظة المليئة بدلالات المعاناة والألم والشفقة، فالأمُّ وحدها هي التي “تُضنى”.. وهي وحدها التي تعرف، بطبيعتها الأصلية، معنى الأمومة، فالأمومة يا ابنتي طبيعةٌ، والأبوة ثقافة. الأمومة يقينٌ، والأبوة غلبةُ الظن. الأمومة أصلٌ في الأنثى، والأبوة فرعٌ مكتسب.

إن ما بأيدينا اليوم من أية أسطورة كبرى، هو ضيغةٌ واحدة فقط لها، ضيغةٌ وصللت إلينا عمداً.. أو صدفة، بعدما صاغها أحدهم، ثم اكتشف صيغتها هذه، أحد الآثاريين. غير أن الأسطورة الواحدة، لها ما لا حصر له من صياغات، تتالت خلال تاريخ الجماعة التي ابتدعتها، وتنوّعت في الرقعة الجغرافية التي عاشت فيها هذه الجماعة.

ملحمة جلجامش التي نعرفها من خلال النص الذي اكتشف في مكتبة الملك البابلي آشوربانيبال حين وقع الآثاريون بعد حفائر، على بقايا هذه المكتبة.. فماذا عن الأصل السومري للملحمة، السابق زمناً على آشوربانيبال بقرابة ألف سنة؟

ثم وجدنا من هذه الملحمة نسخاً أخرى، فصار بأيدينا اليوم ثلاث صياغات لملحمة جلجامش. واحدة سومرية متأخرة، واثنتان من زمن الحضارة البابلية التي ورثت سومر. وفي النسخ الثلاث، اتفاقٌ شبه تام في أسماء شخصيات الملحمة: جلجامش، عشتار، إنكيدو.. ولكن هناك تفاوت في الصيغ وفي نظام الحكْى.. بعبارة أخرى، صارت لدينا “اختلاقات” في القصة و”اختلافات” في الصياغة، بما يناسب الفترة الزمنية والبقعة الجغرافية التي ظهر كل نص فيها.. ولا شك أن هناك صيغاً أخرى، غير الثلاثة التي وصلتنا، تدوولت ودالت خلال آلاف السنين من حياة سومر وأكاد وبابل وآشور، وخلال البقعة الجغرافية الواسعة الممتدة من جنوب العراق الحالية إلى تخوم الأناضول وغرب بلاد فارس المسماة اليوم إيران.

لدينا إذا محض نماذج من الأسطورة، أو الملحمة الأسطورية. فتعالي يا ابنتي ننظر في “نماذج” من بعض “النماذج” التي بين أيدينا اليوم، لنرى كيف تمت صياغة الوعي وإشاعة الفكرة، بخصوص أمر دقيق يظهره دليل التحليل الذي يقوم عندي، على إعمال العقل في الخبر، بحسب تعبير ابن خلدون! ولسوف نرى، كيف تحوّلت تدريجياً صورة المقدًّس ، وتشوّهت، وكيف صيغت صورة الربة التي هي المثال الأعلى للأنوثة، الأنموذج الأول الذي تندرج تحت كل النساء.. وبيان الأمر، كما يلي:

من حيث التاريخ المعروف، لا خلاف في أن المجتمعات التي أبدعت الملحمتين، كانت في فجر تحضُّرها تدين بعقدية “الإلهة الأم” وتقدّس الأنوثة، وذلك للأسباب التي شرحتها لكِ في رسالة سابقة. ولا خلاف في أن هذه المجتمعات تحوّلت تدريجياً من الإيمان بالربة، إلى الاعتقاد بسيادة الذكورة، والذكورة تعي في وعيهم المتأخر: الملك الذي يحكم في الأرض، والإله الذي يحكم من السماء! وكلاهما عندهم ذكر، فكيف يمكن إفساح المجال لإعلاء هذا الذكر؟.. بتهوين الأنثى.. بإهانتها! انطري إلى هذه الأبيات من ملحمة جلجامش حيث يَرُدُّ الأخير على طلب عشتار الزواج منه، ويردُّها زاهداً فيها.. في النص البابلي، ترجوه عشتار:

تعال يا جلجامش، وكُن حبيبي

هبني ثمارك هديةً

كن لي زوجاً، وأكون زوجةً لك

فيردُّ جلجامش:

وأيُّ حبيب أخلصت له الحب إلى الأبد؟

وأيُّ راعٍ لك أفلح معك، على مرِّ الأزمان؟

تعالي أفضح لكِ حكايا عشاقك:

تموز زوجك الشاب ضَحّيتِ به، ثم بكيته!

طائر الشقراق الملون، أحببتِه

ثم ضربته، فكسرت له الجناح.

وأحببتِ الأسد، الكامل القوة

ثم حفرت له مصائد سبعاً.

وأحببتِ الحصان السَّبَّاق في المعارك

ثم قدَّرتِ عليه السوط والمهماز والأحزمة.

وأحببتِ راعي القطيع

ثم ضربته فمسخته ذئباً.

وأحببتِ ايشولاتو، بستانيّ نخيل أبيك

ثم ضربته، فمسخته خلداً.

فإن أحببتني، ألا يكون نصيبي منك، كهولاء؟!

في هذا النص الداعر، نرى الأنثى تَطْلُبُ فلا تُطْلَبُ، ترجو الوّصْل فتُرفض! (المزيد…)

Read Full Post »