Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الذاكرة’

تستعيده في رأسها كالحمى: “سأحلم بكِ”!

ريما: سيحلم بي!، هل تأخرت في فهمه إلى هذا الحد، أنا مجرد حلم. (تصمت كثيراً قبل أن تكمل من منتصفٍ ما) هل ترى الآن.. لكل هذا ربٌ واحد..

كارل: سوف نتأخر…

ريما (تكمل ما بدأت): ولي وحدي وجعٌ واحد. (وأخذت تردد) .. لا أنحني/إلا لأحضن موطني/أنا صدرُ أمِ مرضعٍ تحنو، وجبهةُ مؤمنِ.*

 

Goodbye and Hello - By Georgia Artist, Judy Mackey

كان الوقت قد تأخر – كعادته- ليستطيع مناقشة الأمر معها، لحظتها، في الطريق الطويل إلى الرحيل، كان لا شيء ولا أحد يدس بعض الدفء والأمل في ذلك الليل الثقيل البارد، ولا شيء ولا أحد يوقف اندفاع تلك اللحظة وهي تمر منفصلة في رأس كلِ منهما على كل الشعارات والقصائد والأغاني بما يشبه الحقد، تقف خطة المغادرة في وجهها كشارع بستين حارة، تهزأ كأنها بأحلام مراهقتها، تشرق جيداً وتخبرها ببساطة ووضوح وحيادية منزوعة العاطفة.. في هذه اللحظة لا شيء لتتركيه خلفك، ولا شيء لتلقيه أمامك أو لتبحثي عنه، هذا هو الحلم.. فانظري وقلبك ماذا أردتما منه.

كان نفس المطار الذي توقفت قليلاً على رصيف شارعه عندما حطت رحالهما هنا هي وصديقها الألماني لأول مرة قبل أسبوعين من الآن، اعترفت فيما بعد (لنفسها فقط) أنه كان رصيف عادي جداً، في المكان الذي كادت تعبده على ابتعاده، حدّثت نفسها بغصة مترددة بصور خاطفة تسترجعها، الأرصفة في دبي أجمل وكانت في ميونخ أكثر ازدحاماً، حين انشغل كارل بأجرة السيارة كانت تلتفت حولها تريد أن تغفر لقلبها عدم اهتمامه، تنظر جيداً للتراب آخر مرة باحثة عن أرض ميعادها، ومرت هي على العشب وبعض المساحات الخالية من الزراعة، على طين يستعد لاستقبال بعض الحياة بالسماد الذي يخالطه، وكان عادياً هو الآخر، ولم تنحني كما كانت تظن أنها قد تفعل، ولم تقبل تراب الأرض، ولم تبكِ لا حزناً ولا فرحاً، كانت شيئاً ما يقف وينظر كأشياء أخرى في المكان، فأي جبروت كانت تدّعيه وهي على وشك التبعثر حلماً تلو الآخر.. ويقينا يلي الآخر، تشد جبينها للسماء أكثر، وهي تكاد تلتصق بالأرض..

في آخر ليلة لهما مع حازم وعائلته اجتمعوا كلهم في بيته المتواضع (كيف تتواضع البيوت؟)، وجوه هادئة.. هائمة كأنها أكثر على سطح ماء غير مرئي، مجتمعة حول الطاولة الصغيرة في منتصف “نصف الصالون” الذي يتوسّط البيت، فهو إلى جانب صالونيته الظاهرة من التلفاز وترتيب الكنبات فيه، يقوم أيضاً بدور غرفة نوم عمومية وملجأ عام بطبيعة الحال غير الطبيعي!، تأتي السيدة ماجدة بصينية العشاء، وتعتذر مطوّلاً للضيوف الغرباء عن مفاجأتهم لها، الأمومة المفرطة التي تعامل بها الجميع بها تنتمي لذلك النوع الذي لا يكف عن النظر إليك بكبرياء فرس جريح، ويقفز بوقار بالغ إلى أوراقك وصور ذاكرتك التي تحرص على مراجعتها كل ليلة قبل أن تنام، فكيف للمرء أن يسمح بانزلاق هكذا امرأة من ذاكرته. قالوا أشياء كثيرة، لكن لم يكن من بينها الأشياء المطلوبة في ليلة وداع أصدقاء يعلمون حد اليقين أنهم لن يلتقوا بعد هذه الليلة، ربما هي أخطاؤنا هذه المرة كبشر يرسمون خطوطاً بأوهامهم يسمونها كبرياءً ثم لا يتعدّونها نزولاً إلا ليتألموا، لا يصدقون أنهم لن يستطيعوا ملامسة الذاكرة برفق، لم يستطعوا يوماً.. فكيف يستيقظ المرء يوماً بهكذا وهم ويصدقه ويسعى إليه، من يحمي القلوب بعد ذلك من تشظي أحلامها القديمة.. ومدنها القديمة.. وثقتها بالأيام القادمة، من يقي ابتساماتها من كل الحزن هذا.. ثم من سوف يلّون حكايا الناس حين يعودون ويسألون الوطن عن الحلم الذي مضوا ملئ سعادتهم/سذاجتهم إليه؟!، تقر الفتاة بذلك.. ويتجنّب كارل الأمر، إنه خطؤهما هذه المرة بالذات، لا يغسل الموج الذاكرة، هذا كله هراء مجازي لا يليق حتى بكتابته،  ليس الأمر بهذه البساطة ولم يكن يوماً.

نادى عليها.. أنزلا حقائبهما من ظهر السيارة يريدان ختم هذا العبث الذي أحسّاه متأخرَين بالإغلاق عليه والمغادرة، أزاحت الشال قليلاً عن كتفها ورفعت حقيبتها عن الأرض، نظرت في عينيه تماماً هذه المرة كما لا تفعل عادةً، بوجه يكاد يبكي ومبسم يشد على وجعه وذاكرته بحثاً عن ابتسامه وقالت لرفيقها: “لا تقلق .. أنا لا أجيد البكاء”، وضحكت كذباً ثم سبقته إلى الداخل.. (المزيد…)

Read Full Post »