Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘السفر والغربة’

vaya con dios – click de photo

الإله الأجمل لن يريد عبيداً، هذه خلاصة، فلترتح الآلهة الأخرى وتبحث لنفسها عن معالجين نفسيين لتقييم تصدّعها الداخلي، فهناك مشكلة إدراك عظمة عميقة جداً في آلهة تخلق كل هذه الكائنات البديعة وتطلب منها أن تتذلّل لها ما بقي الدهر، فإذا أردناه سنريده ممتلئ الكمال، يتجوّل بيننا كما تفعل الآلهة السوية، يؤمن بالآخرين بمقدار مساوي لإيمانه بنفسه، يدعو أولئك الذين لم يكتملوا بعد للتظاهر بذلك، ويؤكد لهم: إنها مسألة إدراك.. ووقت.

أريدك.. فامتلئ!، أدهشني.. سيكفي هذه الروح إله جميل يخلق الدهشة، وصلِّ.. الصلاة فعل سامي.

أنت إله.. لا حاجة لأعلنك، لا حاجة ليركع لك أحد، لا حاجة لملائكة مكتملة العفة والفضيلة لتحيطك في حضوري، لا حاجة ليسبّح قلبي بألقك عند الشروق وتسجد لجلالك الجهات الأربع عند الغروب، لا حاجة لأجمعني أمامك كلما ابتعدت، لا حاجة لأستغفرك كلما أخطأت، .

لا تتكئ.. فالآلهة لا تستريح، لا تتعب.. لا تعتب إذا خذلتك المدينة، وستخذلك المدينة.. هذه مسألة وقت.. وإدراك!، على ماذا تظن يتكئ الغريب بين كل ذلك الإسمنت، في جغرافيا تُشعره بأنه شخصياً المستهدف الأحد ووحده الوحيد الغريب في جنبات أيامها، وأين تماماً تظن أن إلهاً سيشعر بالانتماء على أرض ممتلئة بالكائنات المؤمنة بنقصانها، لا تنحني.. لا تتنحّى إذا ضاقت على أفكارك الأيام، دعك من كل تلك الملائكة التي جرّت نصف الأمم التي لم تستعبد قط إلى عبادة ربها والسجود له.. وكل تلك الشياطين التي أغوت كل المخلوقات التي لم يحدث أن خُلقت قط، هذا اعتزاز فارغ كرأس نبيٍ لا يقرأ، لا تفزع.. لا تجزع إذا استيقظت منتصف الليل تبحث عن أحلامك لتخبئها، لا تنطفئ.. لا تنكفئ إذا لم يتسع لملكوتك الوقت، يكفي أن تترك رأسك على صدري قليلاً، هذه صلاة.

مشهد داخلي: لقد كسرت المزهرية!، لا علاقة للكبرياء بالأمر، لكن الاعتراف بالاستسلام ناضج بما فيه الكفاية في داخلي، الآن سأترك خيارات الطفولة، بين المضي في اللعب حول المزهرية المكسورة وتأجيل الندم والخوف والقلق لوقت آخر، والبدء في التو واللحظة بتخيّل كيفية العقاب وانتقاء القصة الأفضل لروايتها، سأشرع بتلقائية فيما أتقنته.. سأذهب طبعاً لشراء مزهرية جديدة، ربما أجمل، فلا تحدّثني عن فقداني لبراءتي وتورطي في الثقافة الاستهلاكية وانغماسي الكامل في النظام المادي المجرّد من القيم، فأنت تعلم.. يكفي أن تجمع كفيّ بأصابعك، هذه صلاة.

مرة أخرى، أقرأ الجريدة.. أدوّن أسعار الأمتار المربعة، ويمرّ بين أصابعي اسمك الناعم وأبتسم. هذه صلاة!

Read Full Post »

تستعيده في رأسها كالحمى: “سأحلم بكِ”!

ريما: سيحلم بي!، هل تأخرت في فهمه إلى هذا الحد، أنا مجرد حلم. (تصمت كثيراً قبل أن تكمل من منتصفٍ ما) هل ترى الآن.. لكل هذا ربٌ واحد..

كارل: سوف نتأخر…

ريما (تكمل ما بدأت): ولي وحدي وجعٌ واحد. (وأخذت تردد) .. لا أنحني/إلا لأحضن موطني/أنا صدرُ أمِ مرضعٍ تحنو، وجبهةُ مؤمنِ.*

 

Goodbye and Hello - By Georgia Artist, Judy Mackey

كان الوقت قد تأخر – كعادته- ليستطيع مناقشة الأمر معها، لحظتها، في الطريق الطويل إلى الرحيل، كان لا شيء ولا أحد يدس بعض الدفء والأمل في ذلك الليل الثقيل البارد، ولا شيء ولا أحد يوقف اندفاع تلك اللحظة وهي تمر منفصلة في رأس كلِ منهما على كل الشعارات والقصائد والأغاني بما يشبه الحقد، تقف خطة المغادرة في وجهها كشارع بستين حارة، تهزأ كأنها بأحلام مراهقتها، تشرق جيداً وتخبرها ببساطة ووضوح وحيادية منزوعة العاطفة.. في هذه اللحظة لا شيء لتتركيه خلفك، ولا شيء لتلقيه أمامك أو لتبحثي عنه، هذا هو الحلم.. فانظري وقلبك ماذا أردتما منه.

كان نفس المطار الذي توقفت قليلاً على رصيف شارعه عندما حطت رحالهما هنا هي وصديقها الألماني لأول مرة قبل أسبوعين من الآن، اعترفت فيما بعد (لنفسها فقط) أنه كان رصيف عادي جداً، في المكان الذي كادت تعبده على ابتعاده، حدّثت نفسها بغصة مترددة بصور خاطفة تسترجعها، الأرصفة في دبي أجمل وكانت في ميونخ أكثر ازدحاماً، حين انشغل كارل بأجرة السيارة كانت تلتفت حولها تريد أن تغفر لقلبها عدم اهتمامه، تنظر جيداً للتراب آخر مرة باحثة عن أرض ميعادها، ومرت هي على العشب وبعض المساحات الخالية من الزراعة، على طين يستعد لاستقبال بعض الحياة بالسماد الذي يخالطه، وكان عادياً هو الآخر، ولم تنحني كما كانت تظن أنها قد تفعل، ولم تقبل تراب الأرض، ولم تبكِ لا حزناً ولا فرحاً، كانت شيئاً ما يقف وينظر كأشياء أخرى في المكان، فأي جبروت كانت تدّعيه وهي على وشك التبعثر حلماً تلو الآخر.. ويقينا يلي الآخر، تشد جبينها للسماء أكثر، وهي تكاد تلتصق بالأرض..

في آخر ليلة لهما مع حازم وعائلته اجتمعوا كلهم في بيته المتواضع (كيف تتواضع البيوت؟)، وجوه هادئة.. هائمة كأنها أكثر على سطح ماء غير مرئي، مجتمعة حول الطاولة الصغيرة في منتصف “نصف الصالون” الذي يتوسّط البيت، فهو إلى جانب صالونيته الظاهرة من التلفاز وترتيب الكنبات فيه، يقوم أيضاً بدور غرفة نوم عمومية وملجأ عام بطبيعة الحال غير الطبيعي!، تأتي السيدة ماجدة بصينية العشاء، وتعتذر مطوّلاً للضيوف الغرباء عن مفاجأتهم لها، الأمومة المفرطة التي تعامل بها الجميع بها تنتمي لذلك النوع الذي لا يكف عن النظر إليك بكبرياء فرس جريح، ويقفز بوقار بالغ إلى أوراقك وصور ذاكرتك التي تحرص على مراجعتها كل ليلة قبل أن تنام، فكيف للمرء أن يسمح بانزلاق هكذا امرأة من ذاكرته. قالوا أشياء كثيرة، لكن لم يكن من بينها الأشياء المطلوبة في ليلة وداع أصدقاء يعلمون حد اليقين أنهم لن يلتقوا بعد هذه الليلة، ربما هي أخطاؤنا هذه المرة كبشر يرسمون خطوطاً بأوهامهم يسمونها كبرياءً ثم لا يتعدّونها نزولاً إلا ليتألموا، لا يصدقون أنهم لن يستطيعوا ملامسة الذاكرة برفق، لم يستطعوا يوماً.. فكيف يستيقظ المرء يوماً بهكذا وهم ويصدقه ويسعى إليه، من يحمي القلوب بعد ذلك من تشظي أحلامها القديمة.. ومدنها القديمة.. وثقتها بالأيام القادمة، من يقي ابتساماتها من كل الحزن هذا.. ثم من سوف يلّون حكايا الناس حين يعودون ويسألون الوطن عن الحلم الذي مضوا ملئ سعادتهم/سذاجتهم إليه؟!، تقر الفتاة بذلك.. ويتجنّب كارل الأمر، إنه خطؤهما هذه المرة بالذات، لا يغسل الموج الذاكرة، هذا كله هراء مجازي لا يليق حتى بكتابته،  ليس الأمر بهذه البساطة ولم يكن يوماً.

نادى عليها.. أنزلا حقائبهما من ظهر السيارة يريدان ختم هذا العبث الذي أحسّاه متأخرَين بالإغلاق عليه والمغادرة، أزاحت الشال قليلاً عن كتفها ورفعت حقيبتها عن الأرض، نظرت في عينيه تماماً هذه المرة كما لا تفعل عادةً، بوجه يكاد يبكي ومبسم يشد على وجعه وذاكرته بحثاً عن ابتسامه وقالت لرفيقها: “لا تقلق .. أنا لا أجيد البكاء”، وضحكت كذباً ثم سبقته إلى الداخل.. (المزيد…)

Read Full Post »

Honeymoon Hug - By John Ndamdo

مطوقة عنقه بيمينها ، تمسك بيدها الأخرى معصمه تدل ذراعه أين موقعها وهي بهذا القرب، ترشده برفق تصنعه على عجل  قبل أن تقول بصوت مرتفع اللؤم: “هيك بيغمرو صبية”!

لم تخطفه المفاجأة كما أملت ريما، لكن الخيبة لم تتسلل إليها، فقد كانت طريقتها في إعلان خسارتها وحزنها، لتحرض الآخرين على عدم التعاطف معها ومراعاتها، إنها أكثر استعداداً للمواجهة والقتال وتحمل كل شيء عندما تحزن.

حازم: … خـَلـَصْ؟

ريما: سأتذكرك..

حازم: سأحلم بكِ.

أنهوا مراسم الوداع .. أو هكذا خيِّل لها،  كجنازة تركها المعزوّن وبقي على الأرض زهر سيذبل قريباً كأنفاس الجميع هنا ، وحدهم هناك سيغلقون قلوبهم.. ويبكون طويلاً دون دموع، أين يترك المقاتلون مفاتيح قلوبهم التي لا تملك أبواباً، وكم باباً كان لحازم.. وكم مفتاحاً أضاعه قبل أن تصل.. ومن أين له كل هذه الغواية وهو النبي في قومه، ربما تتصوّر ذلك كانت عندما أخذها بعيداً يحدّثها، فأنصتت كطالبة مطيعة لصوته يتسلل في وقار يصنعه بإتقان..

“قد أحتاج جداً للفت انتباهك، أو إثارة إعجابك، لكنني للأسف – أو لغيره- لست سوى شاب جامعي يرسل له أخوه الأكبر مصاريف دراسته من غربته التي تهضم عمره في الكويت، لا تضحكي، لكنه يشعر بأنه يدعم صمودي بالتالي يدعم القضية!،  لم أقتل يهودياً واحداً من قبل وربما من بعد حتّى.. لا أشعر بشيء حقيقي قد يدفعني لفعل ذلك الآن، ولا أنتمي إلى أي فصيل مسلح، ولم يسبق لي أن اجترحت معجزة هنا، تربطني علاقات صداقة بناشطين إسرائيليين ومن عرب الداخل في الحزب الشيوعي الإسرائيلي وحركة السلام الآن، وإذا أنشئت حركة للسلام فيما بعد فلن أتحسس منها، كائن ينام ويأكل اللحوم والخضروات.. ما يتوفر منها، اضحكي الآن…  أترين، كائن عادي جداً، يعطيك كل ما تحتاجينه لنسيانه خلال التفاته، تكفيكِ التفاته!، عليكِ إذاً أن لا تشعري بالذنب عند حدوث عارض النسيان هذا، إنه أمر يحدث جرياً على العادة.

هذا مدخل مدينتنا، كما هو تماماً مدخل ذاكرتك منذ لمسته أول مرة ، قد لا تعودين يوماً، وقد لا أكون هنا إن عدت، وخريطة فلسطين هذه ليست من الذهب .. نعم، كما وليست مرصعة بقطع ألماس صغيرة تدل على عاصمتها، وهي ليست لتضعيها في ميدالية سيارتك، وأبداً لا تفكري ولو للحظة في تعليقها بسلسال لتشق نحرك، إنها للذكرى فقط، احرصي على إبقائها مخبأة في مكان لا يقع نظرك عليه كثيراً، إنها لتتذكري أنك مررتِ من هنا، لتتذكري أن المكان هنا ليس المدينة الفاضلة في خيال صديقك الأعرج، لكي لا تنسي أن الموت يتجول بين أجسادنا كما يتجول في قصائدك، مدينتي هذه يا ريما لا تشبه بيروت كثيراً،  وهي لا تمت بصلة لدبي بالتأكيد، لكنها مدينة جميلة، أشرت إليها في الخريطة بثقب.. (!) لم أجد وسيلة أفضل”، ثم نظر إليها وضحك … “أنا مش آسف”.

 

More about John Ndambo HERE 

Read Full Post »

عن لا ملائكة في رام الله للكاتبة إيناس عبدالله:

The Mask - By Kathy Ostman-Magnusen

وحدهم قطّاع الطرق والخبثاء والمتصوفون من يستطيعون فك لغز هذه المدينة التي نشتاقها بجنون وهي بعيدة، ونتعذب بها وهي قريبة، تمارس معنا سادية المدن التي لا ترحم، لكن شجرة دراق فيها أو وجه عجوز طيب يصلي قد تجرانا من أعناقنا لنندفع بأقصى طاقاتنا للتوحد في قلبها المسموم بالاحتلالات والحروب والخوف. أحبُّ رام الله، ولذا جعلتني سمكتها، التي ما إن أغادر بحرها، حتى أصبح وحشاً آخر على اليابسة، وحشاً يحمل المنفى على ظهره كثأر، يصبح ويمسي وهو يشتاق ويزمجر!

الحياة صدفة باختصار، ويمكن لصدفة أن تهز عرش الحياة الصدئ، والحياة التي لا تمر بها صدفة مثل شهاب ذرع الكون بحثاً عن مدفن ليست بحياة! الصدف هي التي ترسم حياتنا الحقيقية، بالنسبة لحياتنا الوهمية التي تتغذّى على قلق كل يوم، والبليدة مثل حلزون يسيرها الملل بالتأكيد، ذلك اللاشيء الذي يبعث على الضيق. ولا نستطيع تخديره كيفما اتفق!

نحن كائنات بحاجة إلى الإنقاذ مع أو بدون الرصاص، بحاجة لنقطة عبور في جدار الأسى منقطع النظير، والسؤال هو: هل نكون المحكوم عليه بالإعدام الذي يسابق الزمن بحفر نفق في الحائط بشوكة الطعام، كي تحمله صدفة الليل على الهرب؟ أم نكون المحكوم الذي يصلي طلباً للمغفرة حتى موعد إعدامه، ويصل به مركب اليأس العظيم إلى الحائط الأخير من المقبرة؟ الصدفة لحظة صافية نكتشف فيها كم هو البعد عن السعادة شاق ومؤلم. لماذا نعتقد أننا نستحق السعادة؟ لِم أحلم بأنك لي؟ ولِم أمتلك كل ذلك الغرور الذي يمكنني من امتلاكك بلا عصيان؟ لِم يكون لي الحق باحتكارك، وهل الحب دكتاتورية عمياء؟ لِم أخذك خفيةً إلى كهوف أحزاني، وأحولك إلى صائد الغزلان الذي يعيلني؟ صدقني لم يتغير الحب منذ العصور الحجرية! ألم أجبرك على الظهور كشبح تائه تحت نافذي في المطر؟ لو تعرف كيف أعاقبك كلما غضبت. آخر مرة نرفزتني حتى توقفت عن التنفس. حلمت بك في النزع الأخير، لكني لا أميتك، لا أقدر، فقط أن أصل بك إلى عتبة حقل الألغام لتختبر قدميك، ولتعاند كبرياءك فقط، كي تحس بحرقتي أيها البارد كمجرم من الأسكيمو! لحظة الصدفة تلك الخرافة المتحققة، الصلوات التي تستجاب، الله القريب جداً والدافئ جداً، وما إن تصبح الشعلة في أيدينا حتى نبدأ بالضياع، العيب ليس في الصدفة، العيب في متلقي المعجزة، ذاك الذي يحتار أي درب يسلكه، تسكنه العتمة الفادحة، بالرغم من أن طريقه مضاء للنهاية! ومع ذلك تبقى أعظم اللحظات، اللحظات التي ننعم بها بالحظ، الزمن القليل الباقي لوداع الألم والتعب والمصير، تلك الراحة الأبدية التي تبثها فينا، ما تلبث أن تتلاشى كدخان سيجارة.

كنت أحدّث نفسي بتلك الطريقة المتعالية المتشظية الخالية من الروابط المعقولة، التي لم أعهدها من قبل، فبعد كل تلك الخيبات مجتمعة، وخطر الاندثار وحيدة في إحباطاتي المتعاقبة، قررت أن أعيد صياغة الأسئلة، كل الأسئلة التي أطرحها على نفسي بلغة ملغومة حتى تكون كل الإجابات متفجرة، وحده الدمار سيعيد ترتيب الكيان المفخخ بالفوضى واليأس. واتفقت مع نفسي في خضم حديثي المتشنّج عن الصدفة أنها لعبت على مسرح حياتي مرتين، حيث مرت بي كل تلك الأحاسيس الملونة، وكل تلك العتمة أيضاً، لم يكن الهدف من الصدفة سوى تلقيني درساً لعيناً مجرداً من الرحمة. ممتنة، لكن قلبي موجوع! 

أحس أنّي في خضم جريي اللعين وراء صدفي الباردة، قد قمت بتفويت حفلات صباي كلها، ووصلت حين سكتت الموسيقى، وأطفئت الشموع، ولم يتبق سوى صدى المحتفلين الراحين عن حياتي أيضاً! (المزيد…)

Read Full Post »

 

Autumn Blend - By Leanne Laine

أيقظته… لفت سريعاً على جسدها المثقل بالماء والأفكار شرشفاً أبيض كانت أعدته للغسيل، أسرعت بفقر اتزان وبأقدامها الحافية الرطبة إليه، مرّت على النبيذ المراق وعرق راحتها والزجاج المتناثر كأنفاسها، فخطّت ذعرها الأخير عليه بالدم…

الليل يرأف بأصابعها المنهكة بعد نهار كامل من “الحديث”، إبهامها ينزلق على القداحة، وأعواد الثقاب رطبة من بخار يومها المشبع بها وبإجراءات السفر، تنثر التبغ في موقد الجمر الصغير على حافة البانيو .. تكفينها الرائحة الآن، لا زال الليل طويلاً وفارغاً كالعادة منذ توقفت عن تعاطي إعجابه الصامت المكبل بقوافل الشتائم، تظن أنها تبكي لكنها دائماً لا تحاول التأكد من حدوث ذلك، معها مقص ذهبي صغير يخترقه إصبعيّها، تنهي بين ساقيه (أو ذراعيه لا فرق) انسياب خصلات شعرها على ظهرها العاري وجعاً الليلة، يسحقنها تخيل يُتمه أمام صدرها المترع بأمّين! هذه هي عند الكاتبة لمن يشقون صدرها ليل نهار وهم يضحكون، لا لشيء.. ربما فقط ليهبط الكبر على قلبهل وتكابر وتكبر على وجعها/عليهم.

في المطار.. أو المطر.. لم تكن مكتملة الوعي والإدارك ربما، على ركبتيها نصف واقفة، لم تكن تبكي.. لم تضمه.. تكاد تشعر بالضيق “قليلاً” لأن يومياتها ستتغير (هي تدّعي ذلك)، أو ستعود إلى ما كانت عليه قبل أن يأتي ويقاسمهل غرفة نومها ثم كنبتها ومخدتها الخضراء المدورة، ويحتل بعسل عينيه كل ساحات أرقها. الفاجعة ليست القدرة لديها على إخفاء مشاعرها، أو خجلها من البكاء أمام والده، ولم تكن يوماً ذاكرتها المبتلة بوداعات آلمتنتها، الفاجعة أنها لم تكن تشعر بشيء!

أحكمت أزراره لآخر مرة، ووضعت النجمة التي كنت نزعت عنه حول عنقه الغض، قبّلها وقربها من شفتيها يريدنها أن تفعل، تأخرت عنه وهي تبحث داخلها عن ألم ما.. غصةٍ ما.. دمعةٍ ما .. شعور/إحساس/شيء ربما، أثناء سرحانها… طوى ملائكة وجهه.. تجاهلها.. وقام.

“أودياث ماا.. ما”.. يقطعها من منتصفها ويشطر معها أنفاسها، يقسمها دروباً منقوشة بصوته وضحكاته وبكائه وإزعاجه، كانت تنظر إليه وقبضت على غضبٍ أحسّته يصبغ وجهها ويربط حاجبيها، رفع والده خصلات شعر عن جبينها وحاصر وجهها الأسمر بكفيه قائلا: “كنتِ أماً رائعة” بلغة مشبعة بالغربة، أندلسي الهوى /وهمي الهوية، نزع منها شهورها السبعة مرة ثانية، وختم جبهتها بقبلة مستعجلة الخطى وانصرف، مذيباً بين (المزيد…)

Read Full Post »